محمد بن جرير الطبري
352
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بتذكير ، لم يقع بتأنيث . لأن من سُمي ب " أفعل " لم يصرف إلى " فُعلى " ، ومن سُمي ب " فُعلى " لم يصرف إلى " أفعل " ، لأن كل اسم يبقى بهيئته لا يصرف إلى غيره ، ولكنهما لغتان . فإذا وقع بالتذكير ، كان بأمر " أشأم " ، وإذا وقع " البأساء والضراء " ، ( 1 ) وقع : الخلة البأساء ، والخلة الضراء . وإن كان لم يُبن على " الضراء " ، " الأضر " ، ولا على " الأشأم " ، " الشأماء " . لأنه لم يُردْ من تأنيثه التذكير ، ولا من تذكيره التأنيث ، كما قالوا : " امرأة حسناء " ، ولم يقولوا : " رجل أحسن " . وقالوا : " رجل أمرد " ، ولم يقولوا : " امرأة مرداء " . فإذا قيل : " الخصلة الضراء " و " الأمر الأشأم " ، دل على المصدر ، ولم يحتج إلى أن يكون اسمًا ، وإن كان قد كَفَى من المصدر . وهذا قول مخالفٌ تأويلَ من ذكرنا تأويله من أهل العلم في تأويل " البأساء والضراء " ، وإن كان صحيحًا على مذهب العربية . وذلك أن أهل التأويل تأولوا " البأساء " بمعنى : البؤس ، " والضراء " بمعنى : الضر في الجسد . وذلك من تأويلهم مبني على أنهم وجَّهوا " البأساءَ والضراء " إلى أسماء الأفعال ، دون صفات الأسماء ونعوتها . فالذي هو أولى ب " البأساء والضراء " ، على قول أهل التأويل ، أن تكون " البأساء والضراء " أسماء أفعال ، فتكون " البأساء " اسمًا " للبؤس " ، و " الضراء " اسمًا " للضر " . * * * وأما " الصابرين " فنصبٌ ، وهو من نعت " مَن " على وجه المدح . ( 2 ) لأن من شأن العرب - إذا تطاولت صفةُ الواحد - الاعتراضُ بالمدح والذم بالنصب أحيانًا ، وبالرفع أحيانًا ، ( 3 ) كما قال الشاعر : ( 4 )
--> ( 1 ) يعني : إذا وقع بالتأنيث : وقع بمعنى : الخلة البأساء والخلة الضراء . ( 2 ) يريد " من " في قوله تعالى : " ولكن البر من آمن . . . " ( 3 ) انظر ما سلف 1 : 329 . ( 4 ) لم أعرف قائله .